السيد الطباطبائي ( تعريب : الشيخ السبحاني )
129
أصول الفلسفة
حقيقة العلم والإدراك كان الأُولى تأخير هذا البحث عن كثير من الفصول الآتية لأنّ تحليل العلم وتوضيح ماهيته وبيان سنخ وجوده « 1 » يتوقف على كثير من الأُصول
--> ( 1 ) . الغاية المتوخّاة من هذه المقالة ، دحض ما يرتئيه المادّيون من أنّ الروح والروحيات والعلم والإدراك كلّها أُمور مادّية ليست خارجة عن إطارها . وسيبرهن فيها أنّ الروح والروحيات والعلوم والإدراكات سواء كانت حسية أو خيالية أو عقلية ، كلّها مجرّدة عن المادّة ، لانتفاء ما يعدّ من الأحكام العامّة للمادّة فيها . ولنشر إلى أقسام الإدراك فنقول : قد قسّم الأساطين الإدراك إلى أقسام : الأوّل : الإدراك الحسّي : وهو الصورة الحاصلة من المبصرات أو المسموعات في الذهن باعمال الحواس ، فإنّ إعمال الباصرة يوجب انعكاس صورة الشيء الذي أطلّ عليه بنظره ، في ذهنه ، ولا يقصر منها سائر الحواس الظاهرة عند إعمالها ، فالصورة الواردة إلى الذهن لأجل إعمال الباصرة والسامعة ، تسمى إدراكاً حسياً مادياً ما دامت القوى الظاهرية ، فعّالة ولم تقف عن العمل ، فالصوت الوارد إلى مجال الإدراك حين استماعه يسمّى إدراكاً حسياً وهكذا . الثاني : الإدراك الخيالي : وهو الأثر الباقي من الصورة المحسوسة بعد فنائها ، وهذا هو الذي يعبّر عنه القدماء : بأنّها الصورة الحادثة في الخيال بعد حدوث الصورة الحسية ، يستحضرها الإنسان بعد فناء الحسية كلّما شاء وفي أيّ وقت أراد ، وهذا أمر واضح لكل من جرّب ودرّب ، مثلًا ربما تشاهد منظراً بديعاً في سفح الجبل ، أو قاعة من قاعات الكلية تجدها غاصّة بالأساتذة والطلاب ، فما تمضي ساعة من تلك المشاهدات إلّا وأنت تغادرها وتغفل عنها مدّة لا يستهان بها ، لكن ربّما تمس الحاجة باتجاه الإنسان إلى ما شاهده من قبل ، فيرجع إلى خزانة الصورة فيسترجعها في الوقت الذي يريده ، وهذه الصورة هي الصورة الخيالية ، والاتجاه في هذا الوقت ، اتجاه وإدراك خيالي ، والمحفظة التي احتفظت تلك الصور الخيالية ، تسمّى خزانة الخيال . والفرق بين الصورتين من وجوه : أانّ الحسية أوضح عند المدرك من الخيالية . ب الصورة المحسوسة لا تدرك إلّا غب شرائط مخصوصة كوقوع الجسم في وضع خاص ، وفي جهة خاصة ، ككون الجسم واقعاً في يمين الجسم أو يساره أو أمامه أو وراءه وفي مكان خاص ، ولكن الخيالية التي يحضرها الإنسان بعد لأيّ من الدهر ، يمكن إدراكها مجرّدة عن هذه الشرائط ، فالجسم الذي رآه الإنسان في أوضاع وجهات مختلفة ، يمكن أن يُحضرها الإنسان في نظره وذهنه من دون أن يقترن به أحد هذه الأُمور . ج انّ الصورة المحسوسة ، لا تقع في أفق الإدراك إلّا باعمال القوى الظاهرية ، ويدور وجودها وعدمها مدار اعمالها وتعطيلها عن العمل ، ولأجل ذلك يكون وجود الصورة المحسوسة ضروري التحقّق عند اجتماع الشرائط ، كما يكون عدمها ضرورياً إذا فقد أحد هذه العوامل . وتكون خارجة عن القدرة والاختيار بعد اعمال القوى الظاهرية ، وأمّا الصورة الخيالية فيمكن استحضارها بلا معونة القوى الحسية ، بل الملاك في وجودها هو تعطيل الحواس عن العمل ، والاعتماد على الإرادة والتخيّل ، ولهذا يمكن إحضار صورة الغائب أو صوته الخياليين بإمداد من القوة الخيالية ، وأمّا الحسية منهما فيتوقّف على حضوره وتكلّمه والنظر إلى وجهه والاستماع إلى صوته . الثالث : الصورة العقلية وهي الصورة الكلّية المنتزعة من إدراك عدّة صور خارجية متشابهة ، فإذا وقفنا على أنّ هذا الفرد من الإنسان ناطق وذاك أيضاً ناطق ، وذلك أيضاً مثلهما ، يقتدر الذهن عندئذ على انتزاع مفهوم كلّي منطبق عليهم وعلى كل من اتّصف بهذا الوصف ، وتمتاز الصورة العقلية عن سواها بكونها كلّيات مجرّدة عن عامّة القيود والخصوصيات المانعة عن الانطباق على كثيرين ، وأمّا الخيالية فهي وإن كانت مجرّدة عن الزمان والمكان والجهة ، غير أنّها جزئية لا تنطبق إلّا على فرد واحد . وهذه الإدراكات على أصنافها وجدانية لكلّ من عرف يمينه عن يساره غير أنّ اليونانيين قالوا بتجرّد القوة العاقلة فقط . كما هو واضح عند التدبّر حول البراهين القائمة على تجرّد النفس . نعم قد أثبت صدر المتألّهين مؤسّس الحكمة المتعالية في القرن الحادي عشر ، تجرّد عامّة القوى الباطنية لانتفاء آثار المادّة وخواصها العامّة فيها ، كما أوضح في المتن .